الشيخ محمد رشيد رضا

532

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأما الاخبار المرفوعة في الصور فقد أخرجها أصحاب السنن والتفسير المأثور وغيرهم بأسانيد لم يصح منها شيء على شرط الشيخين ولذلك لم يخرجا منها شيئا . وأقواها ما رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم وصححه الحاكم من حديث عبد اللّه بن عمر قال : سئل النبي ( ص ) عن الصور فقال « هو قرن ينفخ فيه » وروي عن ابن مسعود أنه قال : الصور كهيئة القرن ينفخ فيه . وورد في روايات يقوي بعضها وصحح بعضها الحاكم ان الملك الموكل بالصور مستعد للنفخ فيه ينتظر متى يؤمر ، وفي بعضها انه وكل به ملكان . وورد في وصف ملك الصور وفي صفة الصور والنفخ وتأثيره وما يتعلق به وما يكون يومئذ روايات منكرة بعضها مأخوذ من الإسرائيليات عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وبعضها ملفق من أخبار كثيرة وممزوج بالآيات الواردة في قيام الساعة كحديث أبي هريرة الطويل الذي رواه عنه الطبراني من طريق إسماعيل بن رافع قاضي المدينة وقد ذكر منه ابن كثير ما يملا عدة صفحات وذكر انه غريب جدا وان إسماعيل تفرد به وأنه اختلف عليه في اسناده على وجوه كثيرة وذكر الخلاف في توثيق إسماعيل وتضعيفه ومنه انه نص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد وأبي حاتم ومنهم من قال إنه متروك . وسنعود إلى الكلام على الصور وحكمة النفخ فيه في تفسير سورتي الأنبياء والزمر ان انا اللّه تعالى عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فسر ابن عباس الغيب والشهادة هنا بالسر والعلانية . وقال الحسن : الشهادة ما قد رأيتم خلقه والغيب ما غاب عنكم مما لم تروه . وتقدم القول في علم الغيب في موضعين من تفسير هذه السورة مفصلا تفصيلا . والمعنى ان الذي خلق الخلق بالحق والذي قوله الحق في التكوين والتكليف ، والذي له الملك وحده يوم ينفخ في الصور ويحشر الخلق . هو عالم الغيب والشهاد ، وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه ، وهو الخبير بدقائق الأمور وخفاياها ، فلا يشذ عن علمه وحكمته شيء منها ، فلا يليق بعاقل أن يدعو غيره ولو بقصد التوسل والتقريب اليه زلفى ، ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ ) ففي هذا التذييل تقرير لمضمون الآية وفذلكة للسياق الوارد في انكار دعاء غير اللّه تعالى